محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
347
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
وحال حميد لم يقطع ببقاء ذلك ، ولم يغتر بما هنالك لنفوذ حكم الحق تعالى وقهر مشيئته . إلهي : كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك ، بل أقالني منها فضلك . الطاعة : صفة ظاهر العبد . والحالة : صفة باطنه . وبناؤه للطاعة ، هو : إقامتها على الوجه المأمور به من الوفاء بجميع أركانها وشرائطها ، وما يتعلّق بها من حقوق وآداب . وتشييده للحالة ، هو : تزيينها وتطهيرها وصيانتها عمّا يكدّر صفاءها ، ويكسف ضياءها . وكأنّه لمّا فعل هذين الأمرين رأى أنه تحصّن بحصن حصين ، وآوى إلى ركن متين ، لكن لمّا شاهد عدل اللّه تعالى هدم عليه ذلك ؛ لأن مقتضاه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا يبالي بأعمال العاملين . فلمّا شاهد فضله وكرمه أقاله من ذلك بأن جعل له من التعلّق به والاعتماد عليه بدلا منه وعوضا عنه . ونعم البدل والعوض ، فسبحان المتفضّل المنّان . إلهي : أنت تعلم وإن لم تدم الطاعة مني فعلا جزما فقد دامت محبة وعزما . جعل عزمه على الطاعة ومحبته لها - وإن لم يدم عليها فعلا - إحدى وسائله ، وذلك صحيح . وكم من شخص قد طرد وأبعد لم يكن عنده عزم ولا فعل جزم . إلهي : كيف أعزم وأنت القاهر ، وكيف لا أعزم وأنت الآمر . استبعد من نفسه وقوع العزم منه ، وجعل مستند ذلك شهود القهر ؛ لأن من شهد قهره بطل عزمه ؛ لأنه الغالب ، واستبعد أيضا عدم العزم ، وجعل مستند ذلك شهود الأمر ؛ لأن من شهد أمره بادر إلى امتثاله ، وتحرّز من إغفاله وإهماله . إلهي : ترددي في الآثار يوجب بعد المزار ، فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك . شكى إلى مولاه عزّ وجلّ طول تردّده في الآثار ، وهي : الأكوان ، وأخبر أنه يوجب له بعد المزار ، وهو البعد عن شهود التوحيد وكمال المعرفة ، وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ لا ترحل من كون إلى كون ] . ثم سأله وطلب منه أن يختصر له طريق سلوكه ، ويقرّبه عليه ، ويجمعه من مفترقات الآثار بخدمة تظهر فيها عبوديته ويصل بها إلى مولاه من غير تردّد ولا طول . إلهي : كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك . أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟